رحلة جرّاح صاحب رؤية من سوسة إلى الاعتراف العالمي
في مشهد الطب الحديث، يبرز أفراد كرواد حقيقيين - أطباء لا يمارسون مهنتهم فحسب، بل يحولون بشكل جذري الطريقة التي نتعامل بها مع الشفاء. يقف الدكتور البوراوي القطي كأحد هذه الشخصيات البارزة في المجتمع الطبي العربي والأفريقي، وهو جراح تجميل وترميم أحدث عمله في معهد صالح عزيز بتونس ثورة في رعاية مرضى السرطان في تونس وخارجها.
وُلد الدكتور القطي عام 1977 في سوسة، تونس، وتمثل رحلته توليفة مثالية من الرؤية الفنية والدقة العلمية - وهو المزيج الذي سيجعله في النهاية أول جراح أفريقي وعربي يحقق شهادة البورد الأوروبي لجراحة الترميم والتجميل (EBOPRAS) بشهادة طب غير أوروبية.
معهد صالح عزيز: إرث من الشفاء
لفهم تأثير الدكتور القطي، يجب أولاً تقدير المؤسسة التي ترك فيها بصمته. يقف معهد صالح عزيز كمركز علاج السرطان الأول في تونس، تأسس في 14 مارس 1969 من خلال تعاون فرنسي-تونسي. سُمي المعهد على اسم الطبيب والجراح التونسي الشهير صالح عزيز (1911-1953)، وقد خدم المعهد كمركز مرجعي للبلاد لمراقبة السرطان وتشخيصه وعلاجه لأكثر من خمسة عقود.
يقع المعهد في شارع 9 أفريل 1938 بحي باب سعدون بتونس العاصمة، وبدأ بثلاث خدمات أساسية: الجراحة، والأشعة، وعلم الأمراض التشريحي. بحلول عام 1989، توسع ليشمل الطب النووي ومعدات العلاج الإشعاعي المتطورة. وقد اعترفت منظمة الصحة العالمية والاتحاد الدولي لمكافحة السرطان بالمعهد كمركز مرجعي إقليمي لفحص وعلاج سرطان الثدي وعنق الرحم.
ومع ذلك، وعلى الرغم من قدرات المعهد الشاملة لعلاج السرطان، كان يفتقر إلى عنصر حاسم واحد حتى وصول الدكتور القطي: خدمات جراحة الترميم التجميلية الرسمية.
كسر حدود جديدة: ثورة عام 2009
شكل عام 2009 نقطة تحول فاصلة لكل من الدكتور القطي ومعهد صالح عزيز. بعد إكمال مسيرة تدريب دولية مثيرة للإعجاب، عاد الدكتور القطي إلى تونس بمهمة كانت ستبدو طموحة للكثيرين: إنشاء أول قسم رسمي لجراحة التجميل والترميم في معهد السرطان الأول بالبلاد.
لم يكن الأمر يتعلق فقط بإضافة خط خدمة آخر. جلب الدكتور القطي معه فلسفة من شأنها أن تغير بشكل جذري طريقة معالجة مرضى السرطان في تونس. كما صرح قائلاً: “باستعادة الأعضاء مع الوظائف المستردة والجماليات المضمونة، نستعيد الابتسامات. بإعادة بناء الجسد، نعيد بناء النفس”.
الرحلة التعليمية
كان إعداد الدكتور القطي لهذه المهمة استثنائياً بكل المقاييس. بعد تخرجه من كلية الطب بتونس عام 2000، شرع في مسار تدريبي صارم:
- 2000-2002: تطبيق في المستشفيات التونسية، يتقن الطب الأساسي، والرعاية الطارئة، والجراحة العامة، وجراحة العظام، وأمراض النساء، وطب الأطفال.
- 2002-2006: إقامة في جراحة التجميل، تخرج كـالأول على دفعته (2002/2003)، مما أكسبه منحة دراسية حكومية مرموقة.
- 2006-2008: دراسات ما بعد الدكتوراه في كلية الطب بنيس، جامعة صوفيا أنتيبوليس، تخصص في الجراحة المجهرية وجراحة ترميم السرطان.
- تدريب موازٍ: أكمل منهج الكلية الفرنسية لجراحة التجميل والترميم في عام واحد فقط (بدلاً من العامين المعتادين) لتسريع عملية الحصول على شهادته.
تمت مناقشة أطروحته للدكتوراه، “إعادة بناء الفك باستخدام السديلات الحرة والجراحة المجهرية”، في مرسيليا في أبريل 2008 مع أعلى درجات الشرف وتهنئة لجنة التحكيم. أثناء وجوده في نيس، تدرب على يد الأسطوري الدكتور لاسو، رائد جراحة الثدي الذي سيصبح معلمه.
شهادة EBOPRAS التاريخية
في عام 2008، حقق الدكتور القطي ما لم ينجزه أي طبيب عربي أو أفريقي من قبل: الحصول على شهادة البورد الأوروبي لجراحة الترميم والتجميل (EBOPRAS). هذا الامتحان، الذي عُقد في كل من مدريد وماديرا، يتطلب عادةً دورات تحضيرية باهظة الثمن لم يستطع الدكتور القطي تحمل تكلفتها. لكنه لم يثبط عزيمته، وخاض الامتحانات مباشرة - واجتازها بامتياز، ليصبح أول حامل شهادة طب غير أوروبية يحقق هذه الشهادة.
تغيير حياة المرضى في معهد صالح عزيز
عند وصوله إلى المعهد في عام 2009، واجه الدكتور القطي تحديات كبيرة. كان مفهوم جراحة الترميم داخل مركز الأورام جديداً، وتساءل البعض عما إذا كانت المخاوف الجمالية لها مكان في منشأة تركز على البقاء على قيد الحياة. كان على الدكتور القطي محاربة العقليات التي تقترح أن المرضى يجب ببساطة أن يتقبلوا حالتهم بعد الجراحة.
وقد تناول هذا التحدي بعزيمة مميزة، مسترشداً بكلمات سينيكا التي أصبحت شعار حياته: “ليس لأن الأمور صعبة لا نجرؤ، بل لأننا لا نجرؤ تصبح الأمور صعبة”.
الخدمات التي تم تقديمها
تحت قيادة الدكتور القطي، ضم معهد صالح عزيز رسمياً الخدمات التالية:
- الجراحة التجميلية للأورام – الجمع بين إزالة الورم وإعادة البناء الفوري.
- إعادة بناء الثدي الفوري والثانوي – استعادة الشكل والثقة بعد استئصال الثدي.
- جراحة ترميم الوجه والرقبة – معالجة آثار سرطان الرأس والعنق.
- تقنيات الجراحة المجهرية – تمكين نقل الأنسجة المعقد وإجراءات السديلات الحرة.
كان التأثير فورياً وعميقاً. كما وثق في ملف شخصي لمجلة ليدرز عام 2010، بدأ المرضى في البحث عنه مباشرة. مثال مؤثر تعلق بشابة خضعت أختها لعملية استئصال الثدي: “هي شابة، وهي مخطوبة. هل يمكنك التحدث معها؟ بمجرد أن سمعت أن هناك إمكانية لأن تصبح طبيعية مرة أخرى، ارتفعت معنوياتها”.
أصبح الدكتور القطي ليس مجرد جراح بل طبيب نفساني ومانح أمل، مدركاً أن علاج السرطان يمتد إلى ما هو أبعد من إزالة الورم.
الاعتراف العالمي والقيادة
سرعان ما لفتت ابتكارات الدكتور القطي في المعهد الانتباه الدولي. خبرته في عمليات الترميم بالجراحة المجهرية، خاصة لإعادة بناء الفك والثدي، قادته إلى دعوات في مؤتمرات مرموقة حول العالم:
- 2010: انتخب كـأول أمين وطني تونسي للجمعية الدولية لجراحة التجميل (ISAPS).
- 2011: انتخب في المجلس التنفيذي للاتحاد الدولي لجراحة الترميم والتجميل (IPRAS) في لجنة الجراحة الإنسانية.
- 2012: سمي “النجم الصاعد” من قبل IPRAS - وهو تكريم منحه إياه الدكتور بيغز، الذي يعتبر “الأب الروحي” لجراحة التجميل.
- 2014-2018: أعيد انتخابه كأمين وطني لـISAPS لتونس.
- 2018: أصبح عضواً في الجمعية الأمريكية المرموقة لجراحة التجميل (ASAPS).
تقرأ سيرته الذاتية وكأنها خريطة لأهم أماكن جراحة التجميل: عروض تقديمية في سان فرانسيسكو، كيوتو، ريو دي جانيرو، بكين، سانتياغو دي تشيلي، أوسلو، وموناكو.
ما وراء تونس: مهنة عالمية
بينما أسس عمل الدكتور القطي في معهد صالح عزيز (2009-2015) مكانته كبطل قومي، سرعان ما أصبحت خبرته مطلوبة عالمياً. يمارس اليوم في عدة قارات:
- تونس: حافظ على ارتباطه بالمعهد وأنشأ عيادة خاصة.
- الإمارات العربية المتحدة: وسع ممارسته لتشمل دبي وأبوظبي، حاملاً خبرته في الترميم إلى منطقة الخليج.
- الدولي: يواصل العمل كمستشار ومعلم عالمي.
يعكس موقعه الإلكتروني، drkotti.com، الفلسفة التي طورها في المعهد: “الجمال هو علم التناسق” و “إذا كان الجمال مجرد تفتح مصادف لمحاولة فنية، فهو بالضرورة الإنجاز المتعمد لفعل عادل من جراحة التجميل”.
يستمر الإرث
يمتد تأثير الدكتور القطي على معهد صالح عزيز إلى ما بعد فترة عمله هناك. من خلال تأسيس جراحة الترميم التجميلية كمكون أساسي لعلاج السرطان، غير الثقافة المؤسسية لمركز الأورام الرائد في تونس. يواصل القسم الذي أسسه خدمة المرضى الذين كانوا ليواجهوا لولا ذلك تشوهاً يغير حياتهم دون أمل في الترميم.
تمثل قصته أفضل ما في النزعة الإنسانية الطبية - التميز التقني في خدمة الكرامة الإنسانية. من الأول على دفعته الطبية إلى أول جراح عربي معتمد من EBOPRAS، ومن طبيب شاب يحلم إلى قائد دولي في جراحة الترميم، توضح رحلة الدكتور البوراوي القطي كيف يمكن لطبيب مخلص أن يحول نظام رعاية صحية بأكمله.
بالنسبة لآلاف الناجين من السرطان في تونس الذين استعادوا ثقتهم ووظائفهم وإحساسهم بذواتهم بعد جراحة الترميم، وبالنسبة لطلاب الطب الذين يرون الآن جراحة التجميل كتخصص قابل للتطبيق في رعاية الأورام، يبقى عمل الدكتور القطي الرائد في معهد صالح عزيز شهادة على ما يصبح ممكناً عندما يلتقي الشجاعة بالرحمة.
المصادر: تستند هذه المقالة إلى معلومات من صفحة معهد صالح عزيز على ويكيبيديا، ومجلة ليدرز تونس.